تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً
[ النساء : 22 ] . وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو . ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر . ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر ، والأصل في المضار الحرمة ، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية ، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال :
إِلَّا بِالْحَقِّ
وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
أي تسلطا على استيفاء القصاص . فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوما ، وظاهر قوله عليه السلام « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق » « 1 » . يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعا على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد . ويحتمل أن يقال قوله :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً
. كلام مستأنف ، والحديث بتمامه تفسير لقوله :
إِلَّا بِالْحَقِّ
فلا يلزم التفريع المذكور . ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ المائدة : 33 ] وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
[ البقرة : 191 ] هذا وقد أبدى الفقهاء أسبابا أخر منها : أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة ، وكذا اللائط . ومنها الساحر إذا قال : قتلت فلانا بسحري . وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة ، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا : الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر . ثم إنه سبحانه أثبت لوليّ الدم سلطانا . ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيما ذا فقيل : إنه قال :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل . وقيل : معنى قوله :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
إلى قوله :
فَمَنْ عُفِيَ
[ البقرة : 178 ] الآية . فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الديات باب 6 . مسلم في كتاب القسامة حديث 25 ، 26 . أبو داود في كتاب الحدود باب 1 . الترمذي في كتاب الحدود باب 15 . النسائي في كتاب التحريم باب 5 ، 11 . الدارمي في كتاب السير باب 11 . أحمد في مسنده ( 1 / 61 ) ( 6 / 181 ) .