تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات ، وأما في الآخرة فظاهر . وقال الحكيم : إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه . ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال :
وَلا تَقْفُ
أي لا تتبع من قولك « قفوت فلانا » أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت ، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب . والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به ، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل : نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ
[ النجم : 23 ]
هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
[ الأنعام : 148 ] وعن محمد بن الحنيفة : المراد شهادة الزور . ومثله عن ابن عباس : لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك . وقيل : أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب . وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه . وقال قتادة : معناه لا تقل سمعت ورأيت وعلمت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم . وقيل : القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومنه الحديث : « من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه اللّه في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج » « 1 » أي يتوب . وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد . احتج نفاة القياس بالآية زعما منهم أن الحكم في دين اللّه بالقياس حكم بغير المعلوم . وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال تعالى :
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ
[ الممتحنة : 10 ] ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن ، وإنه لا يفيد إلا الظن . سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به ، وزيف بأنه لا دليل قاطعا على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقليا بالاتفاق ، ولا نقليا لأنه إنما يكون قطعيا لو كان منقولا نقلا متواترا وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض ، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف ، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز . وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات ، وكذا الفصد
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 82 ) .