تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره . ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
قيل : الخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة ، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضا من هذين المالين . والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله :
وَقَضى رَبُّكَ
وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسرا أن ينفق عليهم بقدر الحاجة . وعند الشافعي : لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء . وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي ، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في « البقرة » وفي « التوبة » . ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم . كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى اللّه . قال ابن مسعود : التبذير إنفاق المال في غير حقه . وعن مجاهد : لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا . ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلا :
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف ، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد
وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال ، وكذلك من رزقه اللّه مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة اللّه كان كفورا لنعمة اللّه . ثم علم أدبا حسنا في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ
وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ سئل شيئا وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء . والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن . وقيل : اللين السهل . قال الكسائي : يسرت أيسر له القول أي لينته . وقيل : القول المعروف كقوله :
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ
[ البقرة : 263 ] وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف . وقيل : ادع لهم بأن يسهل اللّه عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة . قال جار اللّه قوله :
ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ
أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدما عليه أي فقل لهم قولا سهلا لينا وعدهم وعدا جميلا ابتغاء رحمة من اللّه
تَرْجُوها
بسبب رحمتك عليهم ، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فردهم ردا جميلا ، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له . فالفقد سبب الابتغاء فأطلق