تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
والحجامة وسائر المعالجات ، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمنا لتحل ذبيحته ، أو الوارث لحصول التوارث ، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين . وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : نحن نحكم بالظاهر . والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن . فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية ، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به . وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد صلى اللّه عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن جائز . ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر ، ثم علل النهي بقوله :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ
إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله : والعيش بعد أولئك الأيام .
كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
قال في الكشاف :
عَنْهُ
في موضع الرفع بالفاعلية مثل
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه . والصواب أن يقال : إنه فاعل
مَسْؤُلًا
المحذوف والثاني مفسر له . وكيف يسأل عن هذه الجوارح ؟ قيل : يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني ، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب . وقيل : إنه تعالى ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها .
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح . وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل « أتاني ركضا » ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر .
إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ
لن تثقبها بشدة وطأتك
وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول ، أو تمييز ، أو مفعول له ، أو مصدر من معنى تبلغ . بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض ، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال ، فلا يليق به أن يتكبر . وبوجه آخر كأنه قيل له : إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك ، فلا تفعل فعل المقتدر القوي . وقيل : إنه مثل ومعناه : كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولا فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإنسان من بلوغ إرادته .
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ
من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيئ وهو المنهيات ، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئا فإنه مكروه عند اللّه . ويمكن أن يراد بسيء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط . ومن قرأ
سَيِّئُهُ
على التأنيث فقوله :
كُلُّ ذلِكَ
إشارة إلى
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 349 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات