تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره . ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم
هؤُلاءِ أَضَلُّونا
[ الأعراف : 38 ]
ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] ونحو ذلك . عن بعضهم : تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول : يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل صلى اللّه عليه وسلم يفعل ذلك . ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضا فقال :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً
يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها . وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها اللّه مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها . قال العقلاء : ثلاثة ليس لها نهاية : الأمن والصحة والكفاية . فوصف اللّه تعالى تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلبا للصحة . ثم قال :
يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ
دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه . قال في الكشاف : الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع ، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس . قلت : لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف . وكذا أطلق الأكثرون أن جمع « فعلة » يجيء على « أفعل » . قيل : إنما ذكر جمع القلة تنبيها بالأدنى على الأعلى ، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة . وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم اللّه عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط اللّه عليهم البلاء . عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم . نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب : هل يذاق اللباس ؟ قال ابن الأعرابي : لا بأس أيها النسناس هب أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ما كان نبيا أما كان عربيا ؟ ! كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل : « فكساها اللّه لباس الجوع » أو « فأذاقها اللّه طعم الجوع » فردّ عليه ابن الأعرابي . والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة ، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس ، ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف ، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره . فكانت الاستعارة مجردة . ولو قال : « فكساها » كانت مرشحة ، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب . وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا أن للتجريد