تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
[ عبس : 40 - 42 ] ولقوله بعدها
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
والضمير عائد إلى هؤلاء . ثم إنه وصفهم بالشرك . وقال الآخرون : اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة . ثم شرح بعض أحوال المشركين في القيامة فقال :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
منصوب بإضمار « اذكر » أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس . وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه . وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق ، فإذا اتخذ الممكن معبودا برئ من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق . قال في الكشاف :
مَكانَكُمْ
أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم . وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب . و
أَنْتُمْ
لتأكيد الضمير في
مَكانَكُمْ
لسده مسد قوله : « الزموا » .
وَشُرَكاؤُكُمْ
عطف عليه .
فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ
ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا . قيل : عين الكلمة « واو » لأنه من زال يزول . وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة « فيعل » أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد . وقيل : هي من زلت الشيء أزيله ، فعينه على هذا ياء والوزن « فعل » ونظير زيلنا قوله :
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ
[ الآية : 48 ] لأن حكم اللّه بأنه سيكون كالكائن
وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ
في صحة هذه الإضافة وجوه منها : أنهم جعلوا نصيبا من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم . ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله :
مَكانَكُمْ
ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء . وقيل : هم الملائكة لقوله : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون وقيل : كل من عبد من دون اللّه . وقيل : الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين . وكيف تنطق هذه الأصنام ؟ قيل : لأن اللّه يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق . ثم هل يبقيهم أو يفنيهم ؟ الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه . وقيل : يخلق فيهم الكلام فقط . وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديدا في حق المعبودين ؟ قالت المعتزلة : لا ، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من اللّه تهديده وتخويفه . وقالت الأشاعرة : لا يسأل عما يفعل . أما قول الشركاء
ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم :
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
الآية . ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور . وقيل : لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين . وقيل : إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا فجعلوها