تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
أمثالها إلى سبعمائة ضعف . وعن مجاهد : مغفرة من اللّه ورضوان . وعن يزيد بن سمرة : هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول : ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم . هذا شأن المنافع الحاصلة لهم ، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله :
وَلا يَرْهَقُ
أي لا يغشى
وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ
غبرة فيها سواد
وَلا ذِلَّةٌ
ولا أثر هوان وكسوف بال . ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
وهذا معنى قول علماء الأصول « الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم » . ثم بين حال الفريق الآخر بقوله :
وَالَّذِينَ
أي وجزاء الذين
كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها
أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها . ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير : وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها . قالت المعتزلة : وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل ، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله .
وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ
فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سببا لذلهم وهوانهم على أنفسهم ، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي رضي اللّه عنه :
كل بيت أنت ساكنه * غير محتاج إلى السرج
ومريض أنت عائده * قد أتاه اللّه بالفرج
ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ
أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه ، أو ما لهم من جهة اللّه ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين . والتحقيق أنه لا عاصم من اللّه لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن اللّه إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال :
كَأَنَّما أُغْشِيَتْ
أي ألبست
وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ
من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و
مُظْلِماً
صفته . ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعة فمظلما حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في
مِنَ اللَّيْلِ
أو
أُغْشِيَتْ
لأن قوله :
مِنَ اللَّيْلِ
صفة لقوله :
قِطَعاً
فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة قاله في الكشاف . واعلم أن جمعا من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله :
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ
هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
[ آل عمران : 106 ] وقوله :
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ