وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ
المال أو كثرتكم واجتماعكم
وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
عن الحق وعلى الناس ، وفيه تبكيت للمخاطبين وشماتة بهم ، ثم زادوا في التبكيت مشيرين إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم ، وربما استهزءوا بهم وأنفوا من مشاركتهم في دينهم لقلة حظوظهم من الدنيا فقالوا :
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ
أما قوله :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ
إلى آخر الآية . فمن قول اللّه تعالى لأصحاب الأعراف ، أو من قول الملائكة لهم بأمره ، أو من قول بعضهم لبعض وذلك بعد أن يحبسوا ويجلسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويقولوا . قال المفسرون : الرجال هاهنا الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام والعاص بن وائل السهمي ونظراؤهم . وكانوا يقولون إن بلالا وسلمان وعمارا وأمثالهم يدخلهم اللّه الجنة ويدخلنا النار كلا واللّه إن اللّه لا يفضل علينا خدمنا ورعاتنا ، أقسموا أن لا يخصهم بفضل دونهم فناداهم أصحاب الأعراف .
ثم ختم المناظرات بقوله :
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ
قال ابن عباس : لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا : ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم ، فأمر اللّه بالجنة فزخرفت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم ، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقا آخر ، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا :
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ
طلبوا الماء أوّلا لما في بواطنهم من الاحتراق الشديد . وفي الإفاضة نوع دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكانا من أهل النار .
قال بعض العلماء : إنهم سألوا ذلك مع جواز الحصول . وقال آخرون : بل مع اليأس لأنهم عرفوا دوام عقابهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل : الغريق يتعلق بالزبد . وإن علم أنه لا يغنيه . قوله :
أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
قيل : أي سائر الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة . وقيل : أي من الثمار أو الطعام . والمراد : وألقوا علينا من الطعام والفاكهة كقوله :
علفتها تبنا وماء باردا فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم . ثم كأن سائلا سأل فبما ذا أجابهم أهل الجنة ؟ فقيل :
قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ
أي منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه وهذه نهاية الحسرة والخيبة أعاذنا اللّه منها . ثم