فقلت : نعم التزمت بالدينار بناء على العرف الطارئ بعد الوضع . وكنانة تكسر العين من نعم . وروي عن عمر أنه سأل قوما عن شيء فقالوا : نعم فقال عمر : أما النعم فالإبل وقولوا نعم وأنكر هذه الرواية أبو عبيد
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ
قال ابن عباس : هو الملك صاحب الصور يأمره اللّه فينادي نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار . ومعنى التأذين النداء والتصويت للإعلام ومنه الأذان لأنه إعلام بالصلاة وبوقتها . والظالمون في الآية قيل : عام للكافر والفاسق والظاهر أنهم الكفار لأن الصد عن سبيل اللّه أي المنع عن قبول الدين الحق بالقهر أو بالحيلة وإلقاء الشكوك والشبهات في الدلائل وهو المراد بقوله :
وَيَبْغُونَها عِوَجاً
وقد مر في آل عمران . والكفر بالآخرة كلها من أوصاف الكفرة وإنما قدم بالآخرة تصحيحا لفواصل الآي ولم يزد لفظة هم هنا على القياس . وأما في سورة هود فلما تقدم
هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ
وقال :
أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
[ الآية : 18 ] ولم يقل « عليهم » والقياس ذلك التبس أنهم هم أم غيرهم فكرر ليعلم أنهم هم المذكورون لا غيرهم . ثم وصف أهل الجنة والنار فقال :
وَبَيْنَهُما
يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين
حِجابٌ
وهو السور المذكور في قوله سبحانه :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ
[ الحديد : 13 ] قيل : أي حاجة إلى ضرب هذا السور والجنة فوق السماوات والجحيم في أسفل سافلين . وأجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب . والأعراف لغة جمع عرف بالضم وهو الرمل المرتفع ومنه عرف الفرس وعرف الديك ، وكل مرتفع من الأرض عرف لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه . الأعراف في الآية يفسر بالمكان تارة وبغيره أخرى . أما الذين فسروه بالمكان وهم الأكثرون فقال : إن الأعراف أعلى أعالي السور المضروب بين الجنة والنار ويروى عن ابن عباس . وعنه أيضا أن الأعراف شرف الصراط وعلى هذا التفسير فالذين هم على الأعراف من هم فيه قولان : أحدهما أنهم أقوام يكونون في الدرجة العليا من الثواب . وثانيهما : أنهم في الدرجة النازلة . وعلى الأول فيه وجوه :
فقال أبو مجلز : هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار . فقيل له : يقول اللّه تعالى :
وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ
وأنت تقول : إنهم ملائكة . فقال : الملائكة ذكور لا إناث . ويرد عليه أن الرجل لغة يطلق على من يصلح أن يكون من نوعه أنثى بل يطلق على الذكر من بني آدم . وقيل : إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم اللّه تعالى على ذلك المكان العالي إظهارا لشرفهم وليكونوا مشرفين على الفريقين مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم .
وقيل : إنهم الشهداء . وعلى القول الثاني قيل : إنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أوقفهم اللّه على هذه الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار . ثم تؤل عاقبة أمرهم إلى الجنة