برحمة من اللّه وفضل قاله حذيفة وابن مسعود واختاره الفراء . وخصصه بعضهم فقال : هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن أمهاتهم فاستشهدوا فساوت معصيتهم طاعتهم وفي هذا التخصيص نظر . وقال عبد اللّه بن الحرث : إنهم مساكين أهل الجنة . وقال قوم : هم الفساق من أهل الصلاة يعفو اللّه عنهم ويسكنهم الأعراف . وأما الذين فسروه بغير المكان وهو قول الحسن والزجاج فقد قالوا : إن المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يميزون البعض من البعض إما بالإلهام أو بتعريف الملائكة . قال الحسن : واللّه لا أدري لعل بعضهم الآن معنا . وعلى جميع التفاسير فهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار . قال قوم : يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة مبيضة ، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم . وزيف بأن هذا النوع من المعرفة عام لأهل المحشر فلا وجه لتخصيص أصحاب الأعراف بذلك .
ويمكن أن يقال : إن معرفتهم لكونهم على الأمكنة المرتفعة آمنين . وقال المحققون : إنهم كانوا يعرفون أهل الخير والإيمان والصلاة وأهل الشر والكفر والإفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء اللّه على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية ، فهو تعالى يجلسهم على الأعراف ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به . ثم قال :
وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
أي إنهم إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها . ثم أخبر على سبيل الاستئناف أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة
وَهُمْ يَطْمَعُونَ
كأن سائلا سأل عن حالهم أو على أنه صفة أخرى لرجال . فإن قلنا : إن أصحاب الأعراف هم الأشراف فيكون اللّه تعالى أخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار ، ثم إنه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العلى في الجنة كما
روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله أنه قال : « ان أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في وسط السماء وإن أبا بكر وعمر منهم »
ومعنى يطمعون على هذا يتيقنون كقول إبراهيم :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
[ الشعراء : 82 ] ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الأدب . وإن قلنا أصحاب الأعراف هم الأوساط فلا إشكال لأنهم يطمعون من فضل اللّه وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ
قال الواحدي :
التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفا . ولم يأت من المصادر على « تفعال » بالكسر إلا حرفان « تبيان » و « تلقاء » وإنه في الاسم كثير كتمثال وتقصار ، والمعنى أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى اللّه تعالى أن لا يجعلهم من زمرتهم . وفي بناء الفعل للمفعول وإن لم يقل وإذا أبصروا فائدة هي أن صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا . ثم بين أن أصحاب الأعراف ينادون رجالا من أكابر أهل النار واستغنى عن التصريح بهم بوصفهم بما لا يليق إلا بهم فقال