استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حرمه فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى اللّه منه . حجة ابن عباس أن قوله تعالى :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقدا . وقوله :
وَحَرَّمَ الرِّبا
لا يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا وهو ربا النسيئة . وقد تأكد هذا الرأي بما
روى أسامة بن زيد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الربا في النسيئة » « 1 »
وفي رواية « لا ربا فيما كان يدا بيد » « 2 »
وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم فقالا : كنا تاجرين على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الصرف فقال : إن كان يدا بيد فلا بأس ، وإن كان نسيئة فلا يصح .
وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين . أما النسيئة فبالقرآن ، وأما النقد فبالخبر ، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة : النقدان والمطعومات الأربعة . ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها لمعنى ، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه . أما الأشياء الأربعة فللشافعي في علة الربا فيها قولان : الجديد أن العلة الطعم لما
روي عن معمر بن عبد اللّه قال : كنت أسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « الطعام بالطعام مثل بمثل » « 3 »
علق الحكم باسمي الطعام ، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق ، والجلد المعلق باسم الزاني . والقديم أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما
روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « الذهب بالذهب وزنا بوزن والبر بالبر كيلا بكيل »
فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز . وقال مالك :
العلة الاقتيات ، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه الربا . وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة . وعن أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد . وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن العلة فيهما لعينهما لا لعلة .
والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب والحلي والأواني المتخذة منها ، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة . وقال أحمد وأبو حنيفة : العلة فيهما الوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص . فهذا ضبط المذاهب وتفاريعها إلى الفقه . وأما السبب في تحريم الربا
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب المساقاة حديث 102 . البخاري في كتاب البيوع باب 79 . النسائي في كتاب البيوع باب 49 . ابن ماجة في كتاب التجارات باب 49 .
( 2 ) رواه مسلم في كتاب المساقاة حديث 103 .
( 3 ) رواه مسلم في كتاب المساقاة حديث 93 . أحمد في مسنده ( 6 / 400 ) .