تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
إبداء الصدقات ضد إخفائها ، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « سبعة يظلهم اللّه في ظله » ثم قال : « ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله » « 1 » أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه اللّه . فصاحبها يكون في ظل اللّه قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة » « 2 » أي إن كانت صدقته للّه كان في ظل اللّه ، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة ، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية . فمعنى قوله :
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ
أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ
فَنِعِمَّا هِيَ
فإنها مرتبة الأبرار
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ
[ الانفطار : 13 ]
وَإِنْ تُخْفُوها
عن كل حظ ونصيب
وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ
الذين تعطونها إياهم لوجه اللّه لا لحظ النفس
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
لأن جزاءها لقاء اللّه . ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن اللّه فيها ولي الكفاية ، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة ، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا ، أنت تدعوهم ونحن نهديهم . ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في اللّه عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف ، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب ، ولا منه إلى غيره مهرب .
كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها * عليه فما تزداد طولا ولا عرضا
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية « أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد »
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
لأنك لست بك فلست غيري ، ما رأيت إذ رأيت ولكن اللّه رأى
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني ، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
لا بقليل ولا بكثير . لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم ، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقا وإجلالا لا استخفافا وإذلالا
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأذان باب 36 . الترمذي في كتاب الزهد باب 53 . الموطأ في كتاب الشعر حديث 14 . ( 2 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 233 ) ، ( 5 / 411 ) بلفظ « إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته » .