فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض ، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم
لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « حرمة مال المسلم كحرمة دمه » « 1 »
وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل ، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل الموهوم لا يخلو من ضرر . وقيل : سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب ، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم . وقيل : لما يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض ، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ مالا زائدا من الفقير . وقيل : إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون حكمة كل تكليف معلومة لنا .
لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان .
قيل : من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما كانوا يعتقدون . والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله ، وكذلك جن الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم . وقيل : من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله تعالى :
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
[ الصافات : 65 ] فورد القرآن على ذلك . وقيل : إن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع الخالي ، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب . وأكثر المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قويا على الصرع والقتل والإيذاء بتقدير اللّه تعالى . وللمفسرين في الآية أقوال : أحدها أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف . وقوله :
مِنَ الْمَسِّ
يتعلق ب
لا يَقُومُونَ
أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع . أو يتعلق ب
يَقُومُ
أي كما يقوم المصروع من جنونه ، وقال ابن قتيبة : يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه اللّه في بطونهم فأثقلهم . وقيل : إنه مأخوذ من قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
[ الأعراف : 201 ] وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى ، والملك يجره إلى التقوى ، فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط . فإذا مات آكل الربا على ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذل الحجاب بينه وبين اللّه
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 446 ) .