تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلا فنزلت الآية . وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي رضي اللّه عنه كانت أكمل . وعن ابن عباس : ما كان علي رضي اللّه عنه يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهارا وبدرهم ليلا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما حملك على هذا ؟ فقال : أن استوجب ما وعد لي ربي . فقال : ذلك لك ونزلت الآية . وقيل : نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار ، عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة في السر ، وعشرة في العلانية . وقيل : في علف الخيل وارتباطها في سبيل اللّه . وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية واللّه تعالى أعلم بحقيقة الحال .

التأويل :

أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
فيه صلاح المتصدق من وجوه : أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل اللّه منه ، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته . وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر اللّه . وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق اللّه . ورابعها ليثاب على الإيثار
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ الحشر : 9 ] وخامسها ليستحق البر
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : 92 ] . وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته . فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
[ النساء : 40 ] وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله صلى اللّه عليه وسلم « إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده » « 1 » وفي الآية معنى آخر لطيف
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
من تزكية النفوس وتصفية القلوب
وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ
من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق ، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيبا إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية ، طيبا منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير اللّه ، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسها فلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير ، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند اللّه من عملها ، وإذا كان القلب المنفق طيبا عن الالتفات إلى غير اللّه فلله قبول طيب عن الأغيار بين إصبعين من أصابع الرحمن ، وهذا
هامش
( 1 ) رواه النسائي في كتاب البيوع باب 1 . ابن ماجة في كتاب التجارات باب 1 . أحمد في مسنده ( 6 / 31 ) .