تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
الإجمال ثم التبيين . وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها . وجمع الأنعام لأن النعم مفردا يقع في الأكثر على الإبل وحدها . وقيل : المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان : أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه . الثاني أنها الأجنة . عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال : هذه بهيمة الأنعام . وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمه ، قالت الثنوية : ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصا إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه ، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحا حلالا ، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه تعالى يدفع ألم الذبح عن الحيوانات . وقالت المعتزلة : إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقا بجناية ولا ملحوقا بعوض ، وهاهنا يعوض اللّه سبحانه وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلما وقبيحا كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة : الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من اللّه تعالى في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال :
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ
قال بعضهم :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل . والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع . على أن قوله :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ
[ النحل : 5 ] يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه ، إلّا أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
أي إلّا محرم ما يتلى عليكم أو إلّا ما يتلى عليكم آية تحريمه . وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
. والثاني قوله :
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
أي داخلون في الحرم أو في الإحرام . قال الجوهري : رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل . وقيل : مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب ، وانتصاب :
غَيْرَ مُحِلِّي
على الحال من الضمير في :
لَكُمْ
أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم . ثم كان لقائل أن يقول : ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال ؟ فقيل : إن اللّه يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف . ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
الأكثرون على أنها جمع شعيرة : « فعيلة » بمعنى : « مفعلة » . وقال ابن فارس : واحدها شعارة . ثم المفسرون اختلفوا على