استحقاقا من هو فقال
لِلْفُقَراءِ
أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول : عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب ، وقيل : اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء ، أو المراد صدقاتكم للفقراء . قيل : نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة ، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة ، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة ، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى .
وعن ابن عباس : وقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال : أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائي .
ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات :
الأولى قوله
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل اللّه لأن سبيل اللّه مختص بالجهاد في عرف القرآن ، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أشد ، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سدا لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين . وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي ، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة ، وعن ابن عباس : هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم اللّه . الثانية
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
أي سيرا فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة ، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر ، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه . الثالثة
يَحْسَبُهُمُ
يظنهم
الْجاهِلُ
بحالهم ومن لم يخبر أمرهم
أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفا منهم . والتعفف إظهار العفة وهي ترك الشيء والكف عنه . الرابعة
تَعْرِفُهُمْ
أي أنت يا محمد أو كل راء
بِسِيماهُمْ
والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه « عفلى » قال مجاهد : سيماهم التخشع والتواضع . الربيع والسدي : أثر الجهد من الجوع والفقر . الضحاك : صفرة ألوانهم من الجوع . أبو زيد : رثاثة ثيابهم . وقيل : المهابة في العيون . وقيل : آثار الفكر .
روي أنه صلى اللّه عليه وسلم كان كثير الفكر .
الخامسة
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
أي إلحاحا وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له . والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور .
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السآل الملحف »
قيل : معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا ، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل . فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعا كقوله : « ولا ترى الضب بها يتجحر » أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقا لوصفهم بالتعفف . وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما