تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
الأعمى ، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي ، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم ، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر » وقال أيضا « إن العبد ليعمل عملا في السر فيكتبه اللّه سرا ، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية ، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « صدقة السر تطفئ غضب الرب » « 1 » وأيضا في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف ، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة ، ولأن في الإظهار إذلالا للآخذ وإهانة له ، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها » وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئا فيقع في حيز اللوم والتعنيف . نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل . وروى ابن عمر أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء » واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة ، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره . فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفا كما روي عن ابن عباس : صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا . ثم إن للّه تعالى عبادا راضوا أنفسهم حتى من اللّه عليهم بأنوار هدايته ، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة اللّه فلم يحتاجوا إلى المجاهدة . فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم ، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال تعالى :
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
[ الأعراف : 181 ]
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
[ الفرقان : 74 ] فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى اللّه . وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن اللّه أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات ، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها ، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه صلى اللّه عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة . وعن ابن عباس : صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا . هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره ، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله . وعن بعضهم أن معنى قوله
خَيْرٌ لَكُمْ
أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في كتاب الزكاة باب 28 . بلفظ « ان الصدقة لتطفئ غضب الرب » .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 51 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات