تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
وإنما قيل
وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ
لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالما بالفقراء مميزا لهم عن غيرهم ، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء . وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط . ونكفر عنكم من قرأ بالنون مرفوعا فهو عطف على محل ما بعد الفاء ، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين . فإذا وقع الجزاء فعلا مضارعا مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف . فقوله :
فَهُوَ
في تأويل . فيكون خيرا لكم ونكفر بالرفع عطف عليه ، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر ، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة . ومن قرأ مجزوما فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل : وإن تخفوها تكن أعظم أجرا . وأما من قرأ
وَيُكَفِّرُ
بياء الغيبة مرفوعا فالإعراب كما مر في النون والضمير للّه أو للإخفاء . وقرئ وتكفر بالتاء مرفوعا ومجزوما والضمير للصدقات ، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار « إن » ومعناه : وإن تخفوها تكن خيرا لكم وأن يكفر عنكم خير لكم . والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه « كفر عن يمينه » أي ستر ذنب الحنث . وقوله :
مِنْ سَيِّئاتِكُمْ
يحتمل أن يكون « من » للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها ، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها ، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء . ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت : ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك . وقيل : إنها زائدة .
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء . عن الكلبي أنه قال : اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر ، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت : لا أعطيكما شيئا حتى أستأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنكما لستما على ديني . فاستأمرته في ذلك فأنزل اللّه تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
فأمرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما . قال الكلبي : ولها وجه آخر ، وذلك أن ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود ، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا . فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت فأعطوهم بعد نزولها . وعن سعيد بن جبير قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تصدقوا إلا على أهل دينكم » فأنزل اللّه
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تصدقوا على أهل الأديان » وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق اللّه لكان لك ثواب نفقتك . والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 52 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات