تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
الرد إذا لم يصر مقابلا بالأحسن ، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز ، وقال الشافعي : هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن . ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلّا الوالد فيما يعطي ولده » « 1 »
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً
فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها ، فكونوا على حذر من مخالفته . ثم أكد الوعيد بقوله :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ
فالأول توحيد والثاني عدل كأنه تعالى يقول : من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها اللّه الذي لا إله إلّا هو ، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب . وقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر :
لَيَجْمَعَنَّكُمْ
والتقدير اللّه واللّه ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه ، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب . قال تعالى :
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ المطففين : 6 ]
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً
استفهام على سبيل الإنكار ، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره ، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح ، ومن كذب لم يكذب إلّا لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة ، أو هو غني عنه إلّا أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه ، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق ، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق ، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها ، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات ، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلّا وقع الدور . ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم . ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال :
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ
وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل : ما لك قائما أي ما تصنع ؟ وقيل : نصب على أنه خبر « كان » أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين ؟ استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الهبة باب 30 . النسائي في كتاب الهبة باب 1 . ابن ماجة في كتاب الهبات باب 2 . أحمد في مسنده ( 2 / 182 ) .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 464 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات