تبايتوهن . وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها . ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث ، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز ، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلا على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله :
وَاضْرِبُوهُنَّ
والأولى ترك الضرب لما
روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تضربوا إماء اللّه » « 1 » فجاء عمر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن . فأطاف بآل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم » .
ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا . وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضيا إلى الهلاك البتة ، وأن يكون مفرقا على بدنها لا يوالي به في موضع واحد ، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن ، وأن يكون دون الأربعين . وقيل : دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد ، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا . وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا
قال علي بن أبي طالب : يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها ، فإن أبت هجر مضجعها ، فإن أبت ضربها ، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين .
وقال آخرون : هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز ، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل .
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « علق سوطك حيث يراه أهلك » .
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا
بالأذى والتوبيخ ، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا
لا بالجهة
كَبِيراً
لا بالجثة
فَاحْذَرُوا
واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم .
روي أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاما له فبصر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فصاح به : أبا مسعود ، اللّه أقدر منك عليه . فرمى بالسوط وأعتق الغلام .
وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم ، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك ، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر ، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فاللّه تعالى قادر قاهر ينتصف لهن منكم .
ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال :
وَإِنْ خِفْتُمْ
قال ابن عباس : أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب . واعترض
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب النكاح باب 51 . الدارمي في كتاب النكاح باب 34