تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
فإن من عبد اللّه وأشرك به شيئا آخر فقد حبط عمله وضل سعيه
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
تقديره وأحسنوا بهما إحسانا . يقال : أحسن بفلان وإلى فلان .
وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ
وقد مر تفاسيرها في البقرة . قال أبو بكر الرازي : إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى
الذي قرب جواره
وَالْجارِ الْجُنُبِ
الذي بعد جواره . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ، ألا وإن الجوار أربعون دارا » « 1 » . وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب . وقيل : الجار ذي القربى الجار القريب النسب ، والجار الجنب الأجنبي . والتركيب يدل على البعد ، ومنه الجانبان للناحيتين ، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر ، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل . ومن قرأ
الْجُنُبِ
فمعناه المجنوب مثل « خلق » بمعنى مخلوق ، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقا في سفر ، وإما جارا ملاصقا ، وإما شريكا في تعلم أو حرفة ، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس ، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه ، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان . وقيل : الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك
وَابْنِ السَّبِيلِ
المسافر الذي انقطع عن بلده ، أو الضيف
وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
وذكر اليمين تأكيد كما يقال : مشيت برجلي . والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن ، بل يعاشرهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت . وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن ، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل . وقيل : كل حيوان فهو مملوك . والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً
تياها جهولا يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه وممالكيه ، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم ، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء . وأصله من الخيلاء الكبر ، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه . وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد اللّه تعالى بما أعطاه من أنواع نعمه ، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط .
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
البخل في اللغة منع الإحسان ، وفي الشرع منع
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأدب باب 29 . مسلم في كتاب الإيمان حديث 73 . الترمذي في كتاب القيامة باب 60 . أحمد في مسنده ( 1 / 387 ) . بدون لفظ « ألا وإن الجوار أربعون دارا » .