تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
« ألقى في روعي » « 1 » واللّه أعلم بأسرار كلامه . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال : أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر اللّه إليه فغفر له » . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض » قالوا : وإنما كان ذلك التفكر في أمر اللّه الذي هو عمل القلب لأن أحدا لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « لا عبادة كالتفكر » . وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السماوات والأرض بتأويل المخلوق . وفي كلمة
هذا
ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضرا في خزانه الخيال . و
باطِلًا
نصب على المصدر أي خلقا باطلا أو على الحال ، وقيل . بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل . قالت المعتزلة : فيه دليل على أن كل ما يفعله اللّه تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية . وقوله :
سُبْحانَكَ
جملة معترضة تنزيها له من العبث وأن يخلق شيئا بغير حكمة . فوجه النظم في قوله :
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
أن الحكمة في خلق الأرض والسماوات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته ، والنار جزاء من عصى ولم يطع . وقالت الأشاعرة : الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام ، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى اللّه تعالى ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء اللّه وقدره ، فلا يمكن أن تعلل أفعال اللّه بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء . والباطل في اللغة الذاهب الزائل الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال . والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله :
وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً
[ النبأ : 12 ]
هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
[ الملك : 3 ] . ومعنى
سُبْحانَكَ
أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما ، منزه عن الانتفاع بهما . ثم لما وصف ذاته تعالى بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه سبحانه خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة ، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي . قالوا : لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك ، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص . وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا : إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب المنافقين حديث 64 . أحمد في مسنده ( 3 / 50 ) .