تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء ، عن ابن عمر قلت لعائشة : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فبكت وأطالت ثم قالت : كل أمره عجب . أتاني في ليلتي فدخل في لحافي ، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال : يا عائشة ، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي ؟ فقلت : يا رسول اللّه إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك . فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ، ثم جلس فحمد اللّه وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض . فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له : يا رسول اللّه أتبكي وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : يا بلال ، أفلا أكون عبدا شكورا ؟ . ثم قال : وما لي لا أبكي وقد أنزل اللّه عليّ في هذه الليلة
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . وعن علي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السماوات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل ، وهاهنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيها على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول ، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر ، وإليه الإشارة بقوله :
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[ طه : 12 ] يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية . وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر ، والعجائب فيها أكثر ، وانتقال النفس منها إلى عظمة اللّه أيسر . وإنما قال في تلك السورة
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ البقرة : 164 ] وفي هذه السورة
لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
لأن العقل له ظاهر ولب ، ففي أول الأمر يكون عقلا وفي كمال الحال يكون لبا . وباقي التفسير قد مر هناك . ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن . فقوله :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
إشارة إلى عبودية اللسان . وقوله :
قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان . والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال صلى اللّه عليه وسلم « من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر اللّه » « 1 » . وقيل : المراد بالذكر هاهنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في كتاب الدعوات باب 82 .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 328 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات