المنافقين من المؤمنين ، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته ، فإن الميز يقع على الأدون والأهون . وبم يحصل هذا الميز ؟ قيل : بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الخروج مع ما بهم من القروح ، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل . وقيل :
بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله . وقيل : بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي
أي يصطفي ويختار
مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
وبناء الكلام على ثلاث مراتب : الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر اللّه تعالى بعلمه لا يليق بكل أحد منكم ، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عبيده . الثانية أن الرسول أيضا لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه ، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي واطلاع اللّه تعالى إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق . الثالثة أن هذا أيضا مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته .
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
ومن جملة الإيمان باللّه أن تعتقدوه وحده علاما للغيوب ، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيدا مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم اللّه تعالى . ووجه النظم على القول الأول : لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم اللّه على غيبه ويقول إن فلانا مؤمن وفلانا منافق ، فإن سنة اللّه جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب ، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء ، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء . أو المراد ما كان اللّه ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول ، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل ، فآمنوا باللّه ورسله كلهم ، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد ، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم . ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال :
وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
قال السدي : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر » فبلغ ذلك المنافقين فاستهزءوا فقالوا : زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل اللّه
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
.
وقال الكلبي : قالت قريش : تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار واللّه عليه غضبان ، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة واللّه عنه راض ، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت .
وقال أبو العالية : نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق .