تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وصف العذاب أوّلا بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق ، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى . قالت الأشاعرة هاهنا : إن إطالة المدة من فعل اللّه لا محالة . والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه سبحانه فاعل الخير والشر . وأيضا إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء ، أن يزدادوا إثما ، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة اللّه . وأيضا أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم ، والإتيان بخلاف خبر اللّه تعالى محال ، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين . أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيرا من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد ، لا أنه ليس بخير مطلقا . وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه ، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيرا من شيء آخر ، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك : قعدت عن الغزو للعجز والفاقة . ومثله
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا
[ إبراهيم : 30 ] وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال . ويقال : ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك . ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر ، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه تعالى بأنهم مزدادون إثما على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثما فكان تعالى فاعلا للازدياد ومريدا له . قالوا : في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه : لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم . ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر « إن » الأولى وفتح الثانية . وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل ، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها . ثم إنه تعالى أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق ، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد .
للّه در النائبات فإنها * صدأ اللئام وصيقل الأحرار
فقال :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
اللام لتأكيد النفي والخطاب في
أَنْتُمْ
للمصدقين جميعا من أهل الإخلاص والنفاق . خوطبوا بأنه ما كان في حكمة اللّه أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض . وماز وميّز لغتان . مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزا ، وميّزته تمييزا . وفي الحديث « من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة » « 1 » ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفردا إلا أنه للجنس والمراد جميع
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 422 ، 423 ) بلفظ « أمز الأذى عن الطريق » عندما طلب منه أبو برزة أن يحدثه بشيء ينفعه اللّه به .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 316 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات