تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
يستقيم قوله :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا
لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه . ثم إنه تعالى لم يجبهم عن شبهتهم . أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا يبعد أن يأمر عبيده ببذل الأموال مع كونه أغنى الأغنياء . وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها : إزالة حب المال عن القلب ، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد ، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : 92 ]
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً
[ البقرة : 245 ]
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
[ البقرة : 272 ] ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته . فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب ، وإنما يستأهل صنوفا من العتاب وضروبا من العذاب . فلهذا قال على جهة الوعيد
سَنَكْتُبُ ما قالُوا
في صحائف الحفظة ، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى . وفي التفسير الكبير : سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة . ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا اللّه حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه ، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا .
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
وهو من أسماء جهنم . « فعيل » بمعنى « مفعول » كالأليم بمعنى المؤلم . أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة . والمعنى : ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص . وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت ، أو عند الحشر ، أو عند قراءة الكتب . ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول .
ذلِكَ
العذاب أو الوعيد
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
من السب والقتل . وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد ، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات . وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفردا . قيل : بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج . قال الجبائي : قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ
أي وبأن اللّه ليس بظلام للعبيد ، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب . وفيه بطلان قول المجبرة أن اللّه يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب ، ويدل على كون العبد فاعلا وإلا لكان الظلم حاصلا . والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتبا على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم ، بل بمعنى