تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
درجات . وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها . وقالت الحكماء : النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام ، ومن هنا قال صلى اللّه عليه وسلم : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضة » « 1 » فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات . وقيل : المراد ذوو درجات . ثم الضمير إلى أي شيء يعود ؟ قيل : إلى من اتبع رضوان اللّه لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب ، والدركات في أهل العقاب . ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من اللّه وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفا لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله :
عِنْدَ اللَّهِ
وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال : « هذه المسألة عند الشافعي كذا » ولا يراد به عندية المكان لتنزهه تعالى عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفا وأنه يليق بأهل الثواب . وقال الحسن : يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب . عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن منها ضحضاحا وغمرا » « 2 » وقال : « إن أهون أهل النار عذابا رجل يحذى له نعلان من نار يغلي من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي » « 3 » والأوجه أن يكون عائدا إلى الكل ، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة ، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق . وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
[ الأنعام : 132 ]
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
فيجازيهم بمقدارها . قوله عزّ من قائل :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
في النظم وجوه منها : أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة ، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة ؟ ومنها كأنه تعالى قال : لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول : إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم . ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول ، فالطعن فيه طعن فيكم . ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان ، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد . ومعنى المنّ هاهنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه . والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة ، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول . فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة ، والنبي يورد عليهم
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 539 ) . ( 2 ) رواه مسلم في كتاب الإيمان حديث 358 . ( 3 ) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 1 ، مسلم في كتاب الإيمان حديث 362 . الترمذي في كتاب جهنم باب 12 . الدارمي في كتاب الرقاق باب 121 . أحمد في مسنده ( 2 / 432 ) .