تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الجر بإضافة
لَمَّا
إليه . والتقدير : أقلتم حين أصابتكم ؟ ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل : أفعلتم كذا ، وقلتم حينئذ من أين أصابنا هذا ، وكيف نصروا علينا ، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم ؟ والمراد بالمصيبة واقعة أحد ، وبمثلها وقعة بدر . وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين ، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين ، وقيل : أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى . فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضا في الأولى يوم أحد ، ثم لما عصوا اللّه هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين ، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله :
قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها
جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة ، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد ؟ لكنه صرح بجواب آخر فقال :
قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
وفي تقريره وجهان : الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم . وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة ، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مفارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة . الثاني ما روي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر فقال : يا محمد إن اللّه قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى ، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم . فذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك لقومه فقالوا : يا رسول اللّه عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم . فقتل يوم أحد سبعون رجلا بعدد أسارى بدر . فمعنى
هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل . وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختيارا في الفعل والترك ، وأنه من عند نفسه . وعارضهم الأشاعرة بقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون اللّه قادرا عليه . فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من اللّه أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله :
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ
قال ابن عباس : أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم . وقيل : بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده ، فاستعير الإذن للتخلية ، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع
لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ
أي ليتميزوا عن أهل النفاق . وإنما لم يقل « وليعلم المنافقين » ليناسب المؤمنين لفظا لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها ، ولأنه عطف على الصلة .
وَقِيلَ لَهُمْ
قال الأصم : هذا القائل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان يدعوهم إلى