قبل الوحي فكان فيه مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا . ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر ، فكانت تلك الخيانة وقتئذ أقبح . وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من الإغلال . قال المبرد : تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافرا أو نسبته إلى الكفرة . قال القتيبي : لو كان هذا هو المراد لقيل « يغلل » كما يقال : « يفسق ويكفر » والأولى أن يقال : هو من أغللته أي وجدته غالا كما يقال : أبخلته أي وجدته كذلك . ومن هنا قال في الكشاف : معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غالا ولا يوجد غالا إلا إذا كان غالا . وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول : كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل ؟ وقال خصيف : قلت لسعيد بن جبير : ما كان لنبي أن يغل . فقال :
بل يغل ويقتل . ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالا ، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما
روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين : لعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذها .
وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال : إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل
ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ
[ يوسف : 38 ]
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ
[ يوسف : 76 ]
ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ
[ آل عمران : 145 ]
ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً
[ التوبة : 115 ]
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ
[ آل عمران : 179 ] وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال : ليس في الكلام « ما كان لك أن تضرب » بضم التاء . والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس . ويوافق هذه القراءة ما
روي أنه صلى اللّه عليه وسلم لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت .
وعلى هذا يغل بمعنى يخان .
وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالا فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول ، أكثرها يروى أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا : ألا تقسم غنائمنا ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست منكم درهما ، أترون أني أغلكم مغنمكم ؟ فنزلت . وعن ابن عباس أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي صلى اللّه عليه وسلم من الغنائم بشيء زائد فنزلت .
وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلبا للغنيمة وقالوا : يخشى أن يقول رسول اللّه من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر . فقال لهم صلى اللّه عليه وسلم : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال صلى اللّه عليه وسلم : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم .
وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت
مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوما ويمنع آخرين ، بل عليه أن يقسم بالسوية . وسمى حرمان بعض الغزاة غلولا تغليظا وتقبيحا لصورة الأمر . وقيل : نزلت في أداء الوحي . كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل :