تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار ، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع ، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية ، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه ؟ فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم ، ثم رغبهم بنوع آخر فقال :
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
كأنه قيل : إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياما قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم ، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين اللّه وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية . وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل ، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله ، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل ، والثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا . ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت ، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقا ليعم أنواع القتل كلها . وفي قوله :
لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
لطائف منها : تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر ، وأنهم لا يحشرون إلى غيره ، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له ، ومنها تخصيص اسم اللّه بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر ، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد . ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم اللّه تنبيها على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة . ومنها بناء
تُحْشَرُونَ
على المفعول تعويلا على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدئ ويعيد ، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره . ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتا لا يخرجون عن قبضته . ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون . واعلم أنه تعالى ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه . فالأول إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه ، والثاني إشارة إلى من يعبده طمعا في ثوابه ، والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة . فهم أهل الحشر إلى اللّه لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه ، وما أحسن هذا النسق ! يروى أن عيسى عليه السلام مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال : ما ذا تطلبون ؟ فقالوا : نخشى عذاب اللّه . فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه . ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا : نطلب الجنة والرحمة . فقال : هو أكرم من أن يمنعكم رحمته . ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات