تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد ، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة . وقيل : المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين . وقيل : المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم اللّه المؤمنين بطلانها . وقيل : الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة . الوجه الثاني : أن متعلق اللام قوله :
لا تَكُونُوا
وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل اللّه ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة ، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له . فقد يحيي المسافر والغازي ، ويميت المقيم والقاعد . فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال ، فاللّه أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له . عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته : ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أنا ذا أموت كما يموت الغير فلا نامت أعين الجبناء . وفي أمثالهم « الشجاع موقى والجبان ملقى » . وكان عليّ يقول : إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش ، ويجوز أن يكون المراد : واللّه يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان ، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فلا تكونوا مثلهم . ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيدا لهم . ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم : لإخوانهم
لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ
شيء من مغفرته ورحمته
خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
فاللام الأولى هي الموطئة ، والثانية لام جواب القسم المقدر ، وكذا في الآية الأخرى . والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر . ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من اللّه ، وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا . وعن ابن عباس : خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء . ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيرا ، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم . وإنما كانت المغفرة والرحمة خيرا من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد ، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد ، فكم من أمير أصبح أسيرا . وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعا من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به ،