تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
حنيف . ثم لم يقتل منهم أحد . وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول : وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ
تقول : زللت يا فلان تزل زليلا إذا زل في طين أو منطق . والاسم الزلة ، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها . والباء في
بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
للاستعانة مثلها في : كتبت بالقلم . والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات ، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي . وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : قال الزجاج : إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا ، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم فكرهوا لقاء اللّه إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة . فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه . وقيل : إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز ، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة . وقيل : كانت لهم ذنوب قد تقدمت ، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفا فيها . وإنما قال :
بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
لأن الكسب قد يكون خيرا كقوله :
لَها ما كَسَبَتْ
[ البقرة : 134 ، 141 ، 286 ] أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها اللّه تعالى كقوله :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
[ الشورى : 30 ] وقال الحسن : استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة . ويحتمل أن تكون الباء بمعنى « في » أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال . إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة ، فاقترفوا ذنوبا فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا . وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي ، وإنما يكون أعمالا أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها .
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز . بقي البحث في أنه أي ذنب هو ؟ والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله . ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر ؟ قالت المعتزلة : كلاهما محتمل . لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة ، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية . قال القاضي : الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة ، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة ، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة ، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر . وقالت الأشاعرة : إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص . وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 288 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات