تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
وهذا خلاف نص الآية ، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء اللّه وقدره . والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف ، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكنا من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين ، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه ، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من اللّه . ثم قال :
فَاعْفُ عَنْهُمْ
فيما يختص بك
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
فيما يختص بحق اللّه إتماما للشفقة عليهم . قيل : في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه تعالى قد عفا عنهم كأنه قيل : اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم ، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم ، وهذا من كمال رحمة اللّه بهذه الأمة . ثم قال :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
والمشاورة مأخوذة من قولهم : شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها . وقيل : من شرت الدابة شورا عرضتها على البيع ، أقبلت بها وأدبرت . والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشوارا . يقال : إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار . وتركيبه يدل على الإظهار والكشف ، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء . وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها : أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم ، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة ، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم . ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا . ومنها قال الحسن وسفيان بن عيينة : قد علم اللّه أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده ، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطئوا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة . ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم . ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم » وهذا هو السر في الجماعات والجمعات . ومنها أنه تعالى ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالا مما كانوا ، وأن عفوه أعظم من كل ذنب ، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة . ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه ، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل : إذا جاء نهر اللّه بطل نهر عيسى . وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا ؟ قال الكلبي وكثير من العلماء : إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ
الْأَمْرِ
ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق ، فهو إذن لمعهود سابق وليس