تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
يُبْدُونَ لَكَ
أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة ، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم ؟ فقيل
يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا
وقد مر تفسيره . ويحتمل أن يراد : لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل هاهنا ؟ فيكون كالطعن في قوله :
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
قال في التفسير الكبير : هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي . فذاك يقول : الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من اللّه . وهذا يقول : الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر . فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى اللّه فهو كائن ، والحذر لا يرد القدر ، والتدبير لا يبطل التقدير . وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق كما في المثل : لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات . ثم قال :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء ، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح . قوله عزّ من قائل :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
يعني يوم أحد . وذكر محمد بن إسحاق أن ثلث الناس كانوا مجروحين ، وثلثهم انهزموا ، وثلثهم ثبتوا . ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتل . ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن : أعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تفرون ؟ وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن : هاك المغزل اغزل . وقال بعض الرواة : إن المسلمين لم يعدوا الجبل . قال القفال : الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفرا قليلا تولوا وأبعدوا ، فمنهم من دخل المدينة ، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب . وأما الأكثرون فإنهم نزلوا عند الجبل واجتمعوا هنالك - ومن المنهزمين عمر - إلا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين . ولم يبعد ، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي صلى اللّه عليه وسلم . ومنهم أيضا عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا ، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : لقد ذهبتم فيها عريضة . وأما الذين ثبتوا مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم فكانوا أربعة عشر رجلا . سبعة من المهاجرين : أبو بكر ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد اللّه ، وأبو عبيدة بن الجراح ، والزبير بن العوّام . وسبعة من الأنصار : الحباب بن المنذر ، وأبو دجانة ، وعاصم بن ثابت ، والحرث بن الصمة ، وسهل بن حنيف ، وأسيد بن حضير ، وسعد بن معاذ . وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت ثلاثة من المهاجرين : علي وطلحة والزبير . وخمسة من الأنصار : أبو دجانة ، والحرث بن الصمة ، وحباب بن المنذر ، وعاصم بن ثابت ، وسهل بن