تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك . ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد فريقان : أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر الأديان ، فخاطب الجماعة بقوله :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
وأراد هؤلاء بقول :
يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة . والنعاس فتور في أوائل النوم . وانتصاب
أَمَنَةً
على أنها حال متقدمة من
نُعاساً
مثل : رأيت راكبا رجلا ، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة ، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة ، أو على جمع آمن كبارّ وبررة ، أو على أنه مفعول
أَنْزَلَ
و
نُعاساً
بدل منه . قال أبو طلحة : غشانا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلّا ويميل تحت حجفته . وعن الزبير : كنت مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم حين اشتد الخوف فأرسل اللّه علينا النوم . واللّه إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول :
لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا
وعن ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة ، والنعاس في الصلاة من الشيطان . وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق باللّه والفراغ عن الدنيا ، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن اللّه . وكان في ذلك النعاس فوائد منها : أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهرة جديدة له صلى اللّه عليه وسلم موجبة لزيادة وثوقهم بأن اللّه ينجز وعده وينصرهم ، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد . ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال ، والنعاس يجدد القوة والنشاط . ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة . ومنها أن الأعداء كانوا حراصا متهالكين في قتلهم . فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ اللّه وكلاءته معهم . ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس هاهنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة . واعلم أن من قرأ
تَغْشى
بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات ، والنعاس مقصود بالعرض ، ولأنها متبوع وأنه تابع . ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس ، وينصره كونه أقرب ، وكون المبدل منه في حكم النحي ، وموافقته لقوله في قصة بدر
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ
[ الأنفال : 11 ] ولأن العرب تقول : غشية النعاس ، وقلما يقولون غشيه الأمن ، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئا واحدا كان التذكير أولى . وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته صلى اللّه عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد اللّه بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم ، فأخبر عنهم بقوله :
وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ
ما بهم إلا همّ أنفسهم لا همّ أنفسهم لا همّ الدين ولا همّ النبي ولا المسلمين . والهمّ