تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
البيض الذين كنا نراهم يوم بدر . والتحقيق في هذا المقام أن التكليف ينافي الإلجاء ، وأنه تعالى قادر على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك أو بلا سبب ، وكذا على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم عليه ، لكنه لما أراد إشادة هذا الدين على مهل وتدريج بواسطة الدعوة بطريق الابتلاء والتكليف ، فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى ، وله الحكم في الآخرة والأولى . والحاصل أن إهلاك قوم لوط كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس ، فلا جرم أظهر القدرة وجعل عاليها سافلها . وفي حرب أحد كان الزمان زمان تكليف ، فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق من المنافق والثابت من المضطرب ، فإنه لو جرى الأمر في أحد كما جرى في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب به ، ولمثل ذلك أمد بالملائكة حين أمد على عادة الإمداد بالعساكر وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك كثير من الناس فاعلم . ولنعد إلى تفسير الألفاظ . قال صاحب الكشاف : إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة ليقوي قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر اللّه . ومعنى
أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ
إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء ب « لن » الذي هو تأكيد النقي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم كالآيسين من النصر . ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بما يجب ، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالا بعد حال . قال بعضهم : ما كان على جهة القوة والإعانة . قيل فيه : أمده يمده . وما كان على جهة الزيادة قيل فيه : مده يمده . وقرئ
مُنْزَلِينَ
بكسر الزاي بمعنى منزلين النصر .
بَلى
إيجاب لما بعد « لن » أي بلى يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية . ثم قال :
إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ
يعني المشركين
مِنْ فَوْرِهِمْ هذا
أي من ساعتهم هذه . والفور مصدر من فارت القدر إذا غلت ، ثم استعمل في معنى السرعة . يقال : جاء فلان ورجع من فوره . ومنه قول الأصوليين الأمر للفور أو للتراخي . ثم سميت به الحالة التي لا توقف فيها على صاحبها فقيل : خرج من فوره كما يقال من ساعته لم يلبث . جعل مجيء خمسة آلاف مشروطا بثلاثة أشياء : الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور . فلما لم توجد هذه الشرائط بكلها أو بجلها فلا جرم لم يوجد المشروط . ويحتمل أن يعلق قوله :
مِنْ فَوْرِهِمْ هذا
بما بعده أي يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر النزول عن الإتيان . وفيه بشارة بتعجيل النصر والفتح إن صبروا عن الغنائم واتقوا مخالفة الرسول . وقوله :
مُسَوِّمِينَ
من السومة العلامة ، وقد يعلم الفارس يوم اللقاء بعلامة ليعرف بها . فمن قرأ بكسر الواو فمعناه معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة ، ومن قرأ بالفتح فالمعنى أن اللّه سوّمهم . قال