أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي . وقوله :
أَوْ يَتُوبَ
منصوب بإضمار « أن » .
و « أن يتوب » في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء ، أو من التوبة عليهم ، أو من تعذيبهم . ويجوز أن يكون معطوفا على
شَيْءٌ
والحاصل منع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره . وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه تعالى وملكوته . وعن الفراء والزجاج أن قوله :
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
عطف على
لِيَقْطَعَ
وما بعده . وقوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول : ضربت زيدا فاعلم ذاك وعمرا . فيكون المعنى أن اللّه مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر . وقيل : « أو » بمعنى « إلا أن » كقولك : لألزمنك أو تعطيني حقي . والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب اللّه عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم . ثم التوبة عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى ، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل . وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه ، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل فيما يستقبل . فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة أخرى وتسلسل ، فهو إذن بخلق اللّه تعالى . وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة منهم . وقوله :
فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ
تعليل حسن التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم . ثم أكد ما ذكر من قوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
بقوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي هما والحقائق والماهيات التي فيهما للّه ، فليس الحكم فيهما إلا له . ثم ذكر لازم الملك والحكم فقال :
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
بعميم فضله وإن كان من الأبالسة والفراعنة
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
بحكم الإلهية والقدرة وإن كان من الملائكة المقربين والصديقين . وكل ذلك يحسن منه شرعا وعقلا وإلا لم يحصل كمال الملك والحكم إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب ، ولهذا ختم الكلام بقوله :
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
هذا قول الأشاعرة ويؤكده ما يروى عن ابن عباس في تفسير الآية : يهب الذنب الكبير لمن يشاء ، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير . وأيدوا هذا النقل بدليل عقلي يشبه ما مر آنفا ، وهو أن الإرادات كلها تستند إلى اللّه تعالى دفعا للتسلسل . فإذا خلق اللّه إرادة الطاعة أطاع ، وإذا خلق إرادة المعصية عصى . فطاعة العبد أو معصيته تنتهي إلى اللّه ، وفعل اللّه لا يوجب على اللّه شيئا . أما المعتزلة فناقشوا في ذلك ورووا عن الحسن : يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين ، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب . والحق