اليقين أشد من حب الوالد لولده ، فكانوا كالأقربين والإخوان بل كجسد واحد وكنفس واحدة . وقيل : يريد الإخوان في النسب . وذلك أن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم ، وكان بينهما العداوة والحروب ، وبقيا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ اللّه ذلك بالإسلام ، وألف بينهم برسول اللّه ، فذكر اللّه تعالى تلك النعمة . وفيه دليل على أن المعاملات الحسنة الجارية فيما بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من اللّه تعالى حيث خلق فيهم تلك الداعية المستلزمة لحصول الفعل . قال الكعبي : إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعونة والألطاف لا بخلق الفعل . وأجيب بأن كل هذا كان حاصلا قبل ذلك . فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم . هذا شرح النعم الدنيوية عليهم ، ثم ذكرهم النعم الأخروية بقوله :
وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث ، ومنه يقال : أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه . وأنقذه واستنقذه خلصه ونجاه . والضمير في
مِنْها
للحفرة أو النار أو للشفاء إما لأنه في معنى الشفة وإما لإضافته إلى الحفرة وهو بعضها وهو كقوله :
كما شرقت صدر القناة من الدم قال بعضهم : الشفة أصغر من الشفا وكذلك الضلالة والضلال ولذلك قال نوح عليه السلام :
لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ
[ الأعراف : 61 ] حين قال له قومه
إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ الأعراف : 60 ] أي ليس بي صغير من الضلال فكيف الكبير منه ؟ ومعنى الآية إنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم تشبيها لها بالحفر التي فيها النار وتمثيلا لحياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها . وفيه تنبيه على تحقير مدة الحياة وإن طالت كأنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء . قالت المعتزلة : معنى الإنقاذ أنه تعالى لطف بهم بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وبسائر ألطافه حتى آمنوا . وقال أهل السنة : جميع الألطاف مشتركة بين المؤمن والكافر ، فلو كان فاعل الإيمان هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار ، لكن الآية دلت على أن اللّه تعالى هو المنقذ فعلم أن خالق أفعال العباد هو اللّه تعالى .
كَذلِكَ
مثل ذلك البيان البليغ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
إرادة أن تزدادوا هدى أو لتكونوا على رجاء هداية . فالأول قول المعتزلة والثاني لأهل السنة ، وقد مر في أوائل سورة البقرة . ثم رغب المؤمنين الكاملين في تكميل غيرهم فقال :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وهو جنس تحته نوعان : الترغيب في فعل ما