تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
لأن وجه الشبه وصف غير حقيقي ومنتزع من عدة أمور . ويجوز أن يكون الحبل استعارة للعهد والاعتصام لوثوقه بالعهد بناء على أن في الكلام تشبيهين ، ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام ترشيحا لها . والحاصل أن طريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون أن تزل قدمه عن الجادة ، فيراد بالحبل هاهنا ما يتوصل به إلى الثبات على الحق وإن كانت عبارات المفسرين متخالفة . فعن ابن عباس : هو العهد كما يجيء
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ
[ آل عمران : 112 ] وقيل : إنه القرآن كما روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أما إنها ستكون فتنة . قيل : فما المخرج منها ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل اللّه المتين » « 1 » وروى ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « هذا القرآن حبل اللّه » وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه حبل متين ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي » « 2 » وقيل : إنه دين اللّه . وقيل : إنه طاعة اللّه . وقيل : إخلاص التوبة . وقيل : الجماعة لقوله تعالى عقيب ذلك :
وَلا تَفَرَّقُوا
لأن الحق لا يكون إلا واحدا ، وما بعد الحق إلا الضلال . ويد اللّه مع الجماعة . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد فقيل : ومن هم يا رسول اللّه ؟ قال : الجماعة » وروي « السواد الأعظم » وروي « ما أنا عليه وأصحابي » « 3 » قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تجتمع أمتي على الضلالة » « 4 » وقد يتمسك بالآية نفاة القياس قالوا : الأحكام الشرعية إن احتيج فيها إلى الدلائل اليقينية امتنع الاكتفاء فيها بالقياس ، وإن اقتصر فيها على الدلائل الظنية فالقول بجواز القياس لكل أحد يوجب التفرق والاختلاف وهو منهي عنه . وأجيب بأن الدلائل الدالة على وجوب العمل بالقياس مخصصة لعموم قوله :
وَلا تَفَرَّقُوا
. ثم إنه تعالى ذكرهم نعمته عليهم وذلك أنهم كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والبغضاء والحروب المتطاولة ، فألف اللّه بين قلوبهم ببركة الإسلام فصاروا إخوانا في اللّه متراحمين متناصحين ، وذلك أن من كان وجهه إلى الدنيا فقلما يخلو من معاداة ومناقشة بسبب الأغراض الدنيوية ، أما العارف الناظر من الحق إلى الخلق فإنه يرى الكل أسيرا في قبضة القضاء فلا يعادي أحدا البتة لأنه مستبصر بسر اللّه في القدر . فإذا أمر أمر برفق ناصح لا بعنف معير وكان حبه لحزب اللّه ونظرائه في الدين ورفقائه في طلب
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب 14 . ( 2 ) رواه الترمذي في كتاب المناقب باب 31 . أحمد في مسنده ( 3 / 14 ، 17 ) . ( 3 ) رواه الدارمي في كتاب السير باب 75 . ( 4 ) رواه ابن ماجة في كتاب الفتن باب 8 .