تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي الناس وهو مريض
والقرآن ينعي عليه بقوله :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ، 3 ]
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 44 ] وقد سلف تقريره في البقرة . وعن داود الطائي أنه سمع صوتا من قبر : ألم أزك ألم أصل ألم أصم ألم أفعل كذا وكذا ؟ أجيب بلى يا عدو اللّه ولكن إنك إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه . قوله سبحانه :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
في النظم وجهان : أحدهما أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام ، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمدا فاحتالوا لإلقاء الشكوك في تلك النصوص ، ثم انجر الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير ، فختم الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقاء الشبهات في النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة ، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة . وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه ، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون ، فلا جرم حذر أهل الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سببا لعجزهم عن القيام بهذا التكليف ، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط . قال بعضهم : تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد . وقيل : معناهما مختلف . تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين . أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة للنصوص ، واختلفوا بأن حاول كل منهم نصرة قوله . أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل من الأحبار رئيسا في بلد ، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل . ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل اللّه العصمة والسداد .
وَأُولئِكَ
اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة ، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من مبتدعة هذه الأمة
لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
وفي تعليق الظرف بقوله
لَهُمْ
فائدتان : إحداهما أن ذلك العذاب في هذا اليوم ، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك في القرآن
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ
[ عبس : 38 - 41 ] وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان : أحدهما - وإليه ميل أبي مسلم - : أن البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال تعالى :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا
[ النحل : 58 ] ولما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية قال له رجل : يا مسوّد وجوه المؤمنين . وتمام الخبر سوف يجيء إن شاء اللّه في تفسير سورة القدر . ولبعض الشعراء في الشيب :