العهد إلى المعاهد كما تقول : ميثاق اللّه وعهد اللّه . أما الاحتمال الأول فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو اللّه والمأخوذ منهم النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس . ثم على هذا القول ما
نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه .
والذي يدل على صحته ما
روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما واللّه لو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي » « 1 »
فهذا على سبيل الفرض والتقدير ، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفا . وقيل : المراد أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف ، أو أمة النبيين فقد ورد كثيرا في القرآن لفظ النبي صلى اللّه عليه وسلم ويراد به الأمة كقوله
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ الطلاق : 1 ] وقيل : النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكما بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون . ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود وإذا أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به ، ويؤكده أنه تعالى حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم . وروي عن ابن عباس أنه قيل له : إن أصحاب عبد اللّه يقرءون وإذا أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب ونحن نقرأ
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
فقال : إنما أخذ اللّه ميثاق النبيين على قومهم
لَما آتَيْتُكُمْ
من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان : أحدهما : أن « ما » تكون موصولة واللام للابتداء وخبره
لَتُؤْمِنُنَّ
واللام فيه جواب القسم المقدور . والعائد إلى الموصول في
آتَيْتُكُمْ
محذوف وفي
جاءَكُمْ
ما يدل عليه
لِما مَعَكُمْ
لأنه في معنى « ما آتيتكم » والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له واللّه لتؤمنن به - وثانيهما - واختاره سيبويه وغيره - كيلا يفتقر إلى تكلف الرابط أن يقال : أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف . و « ما » هي المتضمنة لمعنى الشرط وحينئذ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء ، وليس هاهنا ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة . فالأصح في هذا المقام أن يجعل المذكور جوابا للقسم ظاهرا ، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في « لتؤمنن » و « لتنصرن » وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط . ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن جواب القسم يسد مسدّه . ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضا وجهان : أحدهما أن تكون « ما »
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 1 ، 6 . أحمد في مسنده ( 4 / 126 ) .