المجيء في الزمان الماضي ، فيكون معنى الآية أن اللّه تعالى أخذ ميثاقه من كل نبي أوتي كتابا وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقا لما معه وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند اللّه سبحانه وأنه موافق له في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق ، فتكون هذه الآية تمهيدا لما يجيء بعد من قوله :
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ
الآية .
قالَ
اللّه أو كل نبي لأمته مستفهما بمعنى الأمر
أَ أَقْرَرْتُمْ
بالإيمان به والنصرة ؟ والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق سابق . وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه .
وَأَخَذْتُمْ
أي قبلتم
عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي
عهدي . والأخذ بمعنى القبول كثير قال تعالى :
لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ
[ البقرة : 48 ] أي لا يقبل . ويأخذ الصدقات أي يقبلها . سمي العهد إصرا لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد . ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك بالإشهاد وقال :
فَاشْهَدُوا
أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار . وفي قوله :
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
وأنه لا يخفى عليه خافية ، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة اللّه وشهادة بعضهم على بعض . وقيل : فاشهدوا خطاب للملائكة . وقيل :
معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهدا على نفسه كقوله :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ الأعراف :
172 ] وقيل : بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في الجهل به .
وأصله أن الشاهد هو الذي يبين تصديق الدعوى . وقيل : استيقنوا وكونوا كالمشاهد للشيء المعاين له ، أو يكون خطابا للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على الأمم . ثم ضم إلى التوكيد الوعيد بقوله :
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ
الميثاق وصنوف التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
الخارجون عن دين اللّه وطاعته ، ووعيد الفساق المردة معلوم . ثم وبخ من خرج من دين اللّه إلى غيره بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال :
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين اللّه يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله خطاب في « أقررتم » و « أخذتم » أو للالتفات بعد قوله
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
ومن قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين ، وفي الثاني إلى جميع المكلفين . والأصل أفتبتغون غير دين اللّه ؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة الهمزة هاهنا متوجه إلى الدين الباطل .
وعن ابن عباس أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم ، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به فقال صلى اللّه عليه وسلم : كل الفريقين بريء من دين إبراهيم . فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت .
وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها ، ولكن