تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
قراءة العلم ، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه للّه وتعليمه للّه ودراسته للّه . فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعا وكان مثله كمن غرس شجرة تؤنقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « نعوذ باللّه من قلب لا يخشع ومن علم لا ينفع » « 1 » وفي الآية دليل على صحة قوله صلى اللّه عليه وسلم : « العلماء ورثة الأنبياء » « 2 » تأمل تفهم بإذن اللّه .
وَلا يَأْمُرَكُمْ
من قرأ بالنصب فوجهان : أحدهما أن تجعل « لا » مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه اللّه منصب الدعاء إلى اختصاص اللّه بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم
أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
كما نقول : ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي . والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان ينهي قريشا عن عبادة الملائكة ، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له : أنتخذك ربا ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يستنبئه اللّه ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء ، فيكون عدم الأمر في معنى النهي . ويراد بالنبيين غيره صلى اللّه عليه وسلم كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء . ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد اللّه بن مسعود ولن يأمركم والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - للّه . وقال ابن جريج لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : لعيسى . وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير اللّه لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح .
أَ يَأْمُرُكُمْ
أي البشر وقيل : اللّه
بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك . قيل : وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يسجدوا له . قلت : وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه ، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أمته بعبادة نفسه أول ما استنبئ ، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان باللّه ؟

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 81 إلى 91 ]

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 82 ) أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 91 )
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب الذكر حديث 73 . أبو داود في كتاب الوتر باب 32 . الترمذي في كتاب الدعوات باب 68 . النسائي في كتاب الاستعاذة باب 2 ، 13 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 23 . أحمد في مسنده ( 2 / 167 ) . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب العلم باب 10 . أبو داود في كتاب العلم باب 1 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 17 . الدارمي في كتاب المقدمة باب 32 . أحمد في مسنده ( 5 / 196 ) .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 196 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات