ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس . فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند اللّه بمعنى كونه حكما من أحكامه المستنبطة من الأصول . ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم :
هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء . وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى اللّه كانوا متحيرين خابطين . فإن وجدوا قوما من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا : إنه من التوراة . وإن وجدوا قوما عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء . واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب ، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب اللّه تعالى لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه . احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق اللّه تعالى وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند اللّه ، لكن اللّه كذبهم . والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند اللّه وبخلقه ، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند اللّه ، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب اللّه إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا ، فلم يبق لهما في الآية استدلال . ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عزّ من قائل :
ما كانَ لِبَشَرٍ
الآية .
وقيل : إن أبا رافع القرظي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا ؟ فقال : معاذ اللّه أن نعبد غير اللّه أو أن نأمر بغير عبادة اللّه فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت .
وقيل : إن رجلا قال : يا رسول اللّه نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك ؟ قال : لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله .
وقيل : زعمت اليهود أن أحدا لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم اللّه : إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله :
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
كقوله :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ التوبة : 31 ] ومعنى قوله :
ما كانَ لِبَشَرٍ
قال الأصم : لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم اللّه منه نظيره
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
[ الحاقة : 44 ، 45 ]
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ
[ الإسراء : 74 ، 75 ] وقيل : معناه أنه تعالى لا يشرف عبدا بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام . وقيل : إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن اللّه تعالى ويحتج