تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا . فقال عمرو لجعفر : تكلم . فقال جعفر للنجاشي : سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار ؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم . فقال النجاشي : أعبيد هم أم أحرار ؟ فقال : بل أحرار كرام . فقال النجاشي : نجوا من العبودية . قال جعفر للنجاشي : سلهما هل أهرقنا دما بغير حق فيقتص منا ؟ فقال عمرو : لا ولا قطرة . قال جعفر : سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها ؟ قال النجاشي : يا عمرو إن كان قنطارا فعليّ قضاؤه . فقال عمرو : لا ولا قيراط . قال النجاشي : فما تطلبون منهم ؟ قال عمرو : كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا ، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمناه نحن ، فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا . فقال النجاشي : ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه أصدقني . قال جعفر : أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره . كنا نكفر باللّه عزّ وجلّ ونعبد الحجارة . وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الإسلام ، جاءنا به من اللّه رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقا له . فقال النجاشي : يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك . ثم أمر النجاشي فضرب بالناقوش فاجتمع إليه كل قسيس وراهب . فلما اجمعوا عنده قال النجاشي : أنشدكم باللّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا ؟ فقالوا : اللهم نعم ، قد بشرنا به عيسى وقال : من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي . فقال النجاشي لجعفر : ما ذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه ؟ قال : يقرأ علينا كتاب اللّه ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم ، ويأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا شريك له . فقال : اقرأ علي شيئا مما يقرأ عليكم . فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدموع وقالوا : يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب . فقرأ عليهم سورة الكهف . فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال : إنهم يشتمون عيسى وأمه . فقال النجاشي : ما تقولون في عيسى وأمه ؟ فقرأ عليهم جعفر سورة مريم . فلما أتى ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين وقال : واللّه ما زاد المسيح على ما يقولون هذا . ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال : اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم . قال : أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة أي لا خوف اليوم على حزب إبراهيم . قال عمرو : يا نجاشي ومن حزب إبراهيم ؟ قال : هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم . فأنكر ذلك المشركون وادعوا أنهم في دين إبراهيم . ثم رد النجاشي على عمرو وأصحابه المال الذي حملوه وقال : إنما هديتكم إليّ رشوة فاقبضوها فإن اللّه ملكني ولم يأخذ مني رشوة .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 183 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات