في حقهم معنى الربوبية ، فثبت أن النصارى جمعوا بين الأمور الثلاثة ، وبطلانها كالأمر المتفق عليه بين العقلاء . فإن قيل : المسيح ما كان المعبود إلا اللّه فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح عليه ، والقول بالاشتراك أيضا ضائع . وإذا لم يكن الحكم إلا اللّه وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والائتمار إلا إليه .
عن عدي بن حاتم : ما كنا نعبدهم يا رسول اللّه . قال صلى اللّه عليه وسلم : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم ؟ قال : نعم .
قال صلى اللّه عليه وسلم : هو ذاك .
وعن الفضيل : لا أبالي أطعت مخلوقا في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة .
فَإِنْ تَوَلَّوْا
عن التوحيد
فَقُولُوا
أيها المسلمون لأهل الكتاب
اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
دونكم كما يقول الغالب لمغلوبه في جدال أو صراع : لزمتك الحجة فاعترف بأني أنا الغالب . أو يكون من باب التعريض ومعناه فاعترفوا بأنكم كافرون حيث أعرضتم عن الحق بعد ما تبين . ثم إن اليهود كانوا يقولون : إن إبراهيم على ديننا وكذا النصارى ، فأبطل اللّه تعالى ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده . فبين إبراهيم وموسى ألف سنة ، وبينه وبين عيسى ألفان ، فكيف يعقل أن يكون يهوديا أو نصرانيا ؟ لا يقال هذا أيضا لازم عليكم لأنكم تدعون أن إبراهيم كان على دين الإسلام ، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان أطول مما بينه وبين إنزال التوراة والإنجيل . لأنا نقول : القرآن أخبر بأن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما كان حنيفا مسلما ، وليس في الكتابين أنه كان يهوديا أو نصرانيا فظهر الفرق .
وأيضا المسيح ما كان موجودا في زمان إبراهيم حتى يعبد ، وعبادة المسيح هي النصرانية عندكم . وأيضا لا نسخ في دين اليهود والنسخ جائز في ملة إبراهيم
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ
« ها » حرف التنبيه و
أَنْتُمْ
مبتدأ و
هؤُلاءِ
خبره و
حاجَجْتُمْ
جملة مستأنفة مبينة للأولى يعني أنتم هؤلاء الحمقى ، وبيان حماقتكم أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم . أوليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد : هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه ، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به البتة ولا ذكر له في كتابكم ؟
وعن الأخفش :
ها أَنْتُمْ
أصله أأنتم على الاستفهام . فقلبت الهمزة هاء ، ومعنى الاستفهام التعجب من جهالتهم . ثم حقق ذلك بقوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
كيف كان حال هذه الشرائع في الموافقة والمخالفة
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ثم بين ذلك مفصلا فقال :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
كما لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، أو عرض بالمشركين عن اليهود والنصارى لإشراكهم باللّه عزيرا والمسيح . فإن قيل : قولكم « إبراهيم على دين الإسلام » إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصا بدين الإسلام ، وإن أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صاحب شريعة بل كان