تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
مقررا لشرع من قبله . قلنا : نختار الأول والاختصاص ثابت . فإن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير والمسيح باللّه إلى غير ذلك من قبائح أفعالهم ، أو الثاني ولا يلزم ما ذكرتم لجواز أنه تعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى ، ثم في زمان محمد نسخ شرع موسى بتلك الشريعة التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم ، فيكون محمد صاحب الشريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع . روى الواحدي عن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا : لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان ، اجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا : إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ثأرا بمن قتل منكم ببدر . فأجمعوا مالا وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم . فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع هدايا الأدم وغيره ، فركبا البحر وأتيا الحبشة . فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له : إن قومنا لك ناصحون شاكرون وإصلاحك محبون ، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدروا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول اللّه ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء . وإنا كنا ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل أحد منا عليهم ولا يخرج منهم أحد ، قد قتلهم الجوع والعطش . فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك ، وقد جئتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم . قالوا : وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك . قال : فدعاهم النجاشي . فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب اللّه . فقال النجاشي : مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر . فقال النجاشي : نعم فليدخلوا بأمان اللّه وذمته . فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال : ألا تسمع كيف يرطنون بحزب اللّه وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك . ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص : ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك ؟ فقال لهم النجاشي : ما يمنعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحيي بها من أتاني من الآفاق ؟ قالوا : نسجد للّه الذي خلقك وملكك ، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان ، فبعث اللّه فينا نبيا صادقا وأمرنا بالتحية التي رضيها اللّه لنا وهي « السلام » تحية أهل الجنة . فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل . قال : أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب اللّه ؟ قال جعفر : أنا . قال : فتكلم . قال : إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم ، وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 182 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات