تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته . وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيها على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه . وذلك من جملة ما اصطفيت به . وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر . وإنما قيل :
اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة ، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة .
وَجِيهاً
ذا الجاه والشرف والقدر . وقيل : الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه
فِي الدُّنْيا
بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب
وَالْآخِرَةِ
بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة . ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة . وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفا بهذه الصفات . وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة . و
الْمَهْدِ
قيل : حجر أمه . وقيل : الآلة المعروفة لإضجاع الصبي . وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد
وَكَهْلًا
عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة . والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم : « اكتهل النبات » أي قوي . روي أن عمره بلغ ثلاثا وثلاثين ثم رفع إلى السماء . ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين ، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة . وعن الحسين بن الفضل : المراد أن يكون كهلا بعد نزوله من السماء وأنه حينئذ يكلم الناس ويقتل الدجال . فإن قيل : إن تكلمه في المهد من المعجزات ، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات ، فما الفائدة في ذكره ؟ فالجواب من وجوه . قال أبو مسلم : معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلا على حد واحد وصفة واحدة ، ولا شك أنه غاية في الإعجاز . وقيل : المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلبا في الأحوال من الصبا إلى الكهولة ؛ فإن التغير على الإله محال . وقيل : المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه ، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة . وقال الأصم : المراد أنه يبلغ حال الكهولة . ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر . وهاهنا بحث للنصارى قالوا : إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر . فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته ، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلا . والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع . ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما