تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذ جمعا قليلا ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء . وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت . فهم أيضا قد سكتوا لهذه العلة . فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوما إلى أن نطق القرآن بذلك . ثم ختم أوصاف عيسى بقوله :
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
كما ختم بذلك أوصاف يحيى . وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسنى والأمر الأقصى .
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
لم تقل ذلك استبعادا وتشككا وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله :
كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل هاهنا بالخلق لأن القدرة هاهنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله :
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة
وَيُعَلِّمُهُ
بالياء عطف على
يُبَشِّرُكِ
أو على
وَجِيهاً
أو على
يَخْلُقُ
لأن قوله :
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
وهو عام يتضمن قوله : « يخلقه » ، ويحتمل أن يكون كلاما مبتدأ . وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة
إِنَّا نُبَشِّرُكَ
ونحن نخلقه . ثم الذي علمه أمور أربعة : أولها الكتاب وكان المراد به الخط . وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به . وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة . ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه اللّه تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه . وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق . ثم قال :
وَرَسُولًا
عطفا على
وَجِيهاً
وما بعده .
إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ
أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف . وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ
يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقا بأني قد جئتكم . وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم . وأما قوله :
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ
فمعطوف على قوله :
بِآيَةٍ
أي مع آية والتقدير : جئتكم مصاحبا لآية من ربكم ومصدقا لما بين يديّ ، وجئتكم
لِأُحِلَّ لَكُمْ
وفي الكشاف تقديره : ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولا بأني قد جئتكم ومصدقا لما بين يدي . أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل : وناطقا بأني قد جئتكم ، وناطقا بأني أصدق ما بين يديّ . وعن الزجاج : إن التقدير ويكلم الناس رسولا بأني قد جئتكم بآية من ربكم . والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعا من الآيات ، ثم أبدل على الآية قوله :
أَنِّي أَخْلُقُ
فيمن قرأ بفتح
أَنِّي
ويحتمل أن يكون « أن » مع ما بعده مرفوعا أي هي أني أخلق . ومن قرأ
أَنِّي أَخْلُقُ
فللاستئناف أو للبيان كقوله :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
[ آل
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 164 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات