تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
الذميمة والأقوال القبيحة . وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود . قيل : المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كمل من نساء العالمين أربع : مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة » « 1 » ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكرا لتلك النعم . فقوله :
اقْنُتِي
أمر بالعبادة على العموم
وَاسْجُدِي
أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله
وَأَدْبارَ السُّجُودِ
[ ق : 4 ] وفي الخبر « إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين » ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله صلى اللّه عليه وسلم « أقرب ما يكون العبد من اللّه تعالى وهو ساجد » « 2 » ثم قال :
وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
فالأول أمر بالصلاة مطلقا ، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة . وإنما عبر عن الصلاة هاهنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه ، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود ، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر ، وللتمييز عن صلاة اليهود . وقيل : اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب ، ويحتمل أن يراد بقوله :
اقْنُتِي
الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها ، وأن يراد بقوله :
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي
استعمال كل منهما في وقته اللائق به ، والواو تفيد التشريك لا الترتيب ، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم . وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء . روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما . اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء
ذلِكَ
الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب
نُوحِيهِ إِلَيْكَ
قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها . وبهذا التفسير يعد الإلهام وحيا كقوله :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[ النحل : 68 ] وقال :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ
[ الأنعام : 121 ] وقال :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[ مريم : 11 ] فلما كان اللّه سبحانه ألقى هذه
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 32 ، 46 . مسلم في كتاب فضائل الصحابة حديث 70 . الترمذي في كتاب الأطعمة باب 31 . ابن ماجة في كتاب الأطعمة باب 14 . أحمد في مسنده ( 4 / 394 ) . ( 2 ) رواه مسلم في كتاب الصلاة حديث 215 . النسائي في كتاب المواقيت باب 35 . الترمذي في كتاب الدعوات باب 118 . أحمد في مسنده ( 2 / 421 ) .